الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
94
مختصر الامثل
ولكنه عندما طرد - إلى الأبد - من حضرة الساحة الإلهية بسبب استكباره وطغيانه في مقابل أمر اللَّه له ، قال : « قَالَ أَرَءَيْتَكَ هذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا » . « أحتنكن » : مشتقة من « احتناك » وهي تعني قطع جذور شيء ما . لذا فإنّ هذا القول يشير إلى أنّ إبليس سيحرف كل بني آدم عن طريق اللَّه وطاعته ، إلّاالقليل منهم . ويحتمل أن تكون كلمة « أحتنكن » مشتقة من « حنك » وهي المنطقة التي تحت البلعوم ؛ وفي الواقع ، فإنّ الشيطان يريد أن يقول بأنّه سيضع حبل الوسوسة في أعناق الناس ويجرهم إلى طريق الغواية والضلال . وهكذا كان ، فقد أعطي الشيطان إمكانية البقاء والفعالية حتى يتحقق الاختبار للجميع ، ويكون وجوده سبباً لتمحيص واختبار المؤمنين الحقيقيين لأنّ الإنسان يشتدّ عزمه عندما تهاجمه الحوادث ويقوى عوده في مواجهة الأعداء ، لذلك قالت الآية : « قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءًا مَّوْفُورًا » . وبهذه الوسيلة للاختبار ينكشف الفاشل من الناجح في الامتحان الإلهي الكبير . ثم ذكرت الآيات بعد ذلك - بأسلوب جميل - الطرق التي ينفذ منها الشيطان والأساليب التي يستخدمها في الوسوسة والإغواء فقالت : « وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ . . . » . « وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ . . . » . « وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلدِ . . . » . « وَعِدْهُمْ . . . » . ثم يجيء التحذير الإلهي : « وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطنُ إِلَّا غُرُورًا . . . » . ثم اعلم أيّها الشيطان : « إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطنٌ . . . » . « وَكَفَى بِرَبّكَ وَكِيلًا » . « إستفزز » : مشتقة من « استفزاز » وهي تعني الإثارة ؛ الإثارة السريعة والعادية ، ولكن الكلمة في الأصل تعني قطع شيءٍ ما . واستعمال هذه الكلمة هنا للدلالة على تحريك الشخص وإثارته لينقطع عن الحق ويتوجه نحو الباطل . « اجلب » : مأخوذ من « إجلاب » وفي الأصل من « جلبة » وهي تعني الصرخة الشديدة ، والإجلاب تعني الطرد مع الأصوات والصرخات . وأمّا النهي عن « الجلب » الوارد في